هذه فخاخي أيها القطا

** هذه التدوينة بتحريض من شيماء الوطني
أحب قراءة السير الذاتية والمذكرات والرسائل المتبادلة. أعشق التلصص على حيوات الآخرين. ولست بدعاً في ذلك، إنما هي واحدة من عجينة الإنسان كما أظن. السير الذاتية تحديداً هي فن بوح ومكاشفة واعتراف وشهادة من لدن الكاتب ( ة )، وهي فن تلصص بالنسبة للقارئ أو المتلقي. فعن طريق الكلمات يمكنك أيضاً أن تتلصص، وليس مجرد أن تمرر بصرك من خلل معين، أو تدحج شيئاً ما من شرفة ما، أو تختلس النظرات، أو تترك سمعك يأخذ مداه مع متحاورين لا تبعدك عنهم مسافة أثيرية. والتلصص هو فضول، قبل أن يكون شيئاً آخر، وهو حب اكتشاف، وفي النهاية يلبي حاجة معرفية وعاطفية وفضولية جُبِل عليها الإنسان الذي يهوى الحكي.
والتلصص السردي في هذا السياق، لا دخل له بالأخلاقيات، بمعنى تعمد اختراق التحصينات التي يضربها الآخر على ذاته، أو التسلل على أطراف الأصابع لالتقاط خبر خلف الجدران المحصنة، أو ترك الأذن تلتقط ما لا يجب أن تلتقطه. هو تلصص نظيف لا يروم القبض على الفضائح ومن ثم التشهير. إنما أتحدث عن التلصص الذي يقدم لك على شكل دعوة رسمية. كاتب، مثقف، مبدع، سياسي يقول لك تفضل هذه هي اعترافاتي أضعها بين يديك..هذا هو سجل شهادتي على الحياة والناس والكون.. بين يديك خبرتي ووجهة نظري وذاكرتي ورأيي فيما جرى.. تلك آرائي أقدمها لك من قريب أو من عل أو حول قضية محددة.. أزمة معينة مثلاً.. تعال وخذ تفاصيل ما كان يجري وراء الكواليس.
في هذه الاعترافات أنت أمام ذات قبل أن تقدم نفسها، قامت بما يقوم المريض أما الطبيب، لم تتحرج ولم تخجل لأنها تريد الترياق الذي يسكن آلامها، ويخفف من غلواء ما تعانيه أو ما تود البوح به من ألم أو أمل أو قصة معاناة أو نجاح في الأغلب وقوة إرادة على تجاوز المثبطات. وبعد الفحص وتحديد الأمصال والتراكيب الكيميائية، يظهر الكاتب مهما كانت صفته المهنية أو الإبداعية بكتاب يسجل على جلدته سيرة، مذكرات، رسائل.. أولا يسجل. ومع شجاعة البوح.. هناك قناعة من لدن الكاتب أنه يمتلك شيئاً مخفياً يود أن يظهره، أنه يستبطن أحداثاً وأفكاراً يتغيا طرحها للتداول، يمتلك إرادة القبض على شيء يستحق أن يعرض لشهرة أصابها، أو حوادث كان بالقرب منها فيريد ترك بصمته حولها وعنها. ومع هذه الممكنات أو الفرضيات يعتقد الكاتب أنه بلغ من النضج ما يؤهله لكتابة شيء نابع من ذاته وعن ذاته، يأخذ صفة الواقعية.
ليس جميع ما قرأت في هذا الباب أنصح به أو أدعو له، فكلما تراكمت الخبرات والدأب على متابعة المستجدات، كلما هوت بعض النماذج من مكانها العالي إلى رتبة أدنى فأدنى إلى أن تلفظها الذاكرة نهائياً. وفي باب السيرة وأخواتها، مع مواصلة المتابعة والاطلاع على السير يسقط " ما الحب إلا للحبيب الأول " سقوطاً مريعاً. ومع ذلك فبعض النماذج حتى لو تضعضعت مكانتها فإنها تترك وميضاً أو أثراً محدوداً يبقى. وكلما كانت الشخصية الساردة – إن جازت التسمية - ذات ثقل وتأثير، كلما كانت فرص بقاء ما كتبته حاضراً وماثلاً في الذاكرة، وعلى مستوى الاهتمام التداولي والنقدي. وهذا لا يتم بطبيعة الحال ما لم تكن السيرة مشفوعة بقوة ما تقوله، وبكيفية القول على المستوى التقني والأسلوبي.
وبأي حال من الأحوال، هناك إشكال كبير أريد أن أعبر منه خفافاً، وهو مفهوم السيرة الذاتية، فالاتفاق أو شبه الاتفاق على تحديد نقطة زمنية انطلق منها هذا الفن، بالإضافة إلى قائمة الشروط التي تم على أساسها تجنيس هذا النوع الكتابي من التشابك والتعقيد بحيث يصعب فضه نهائياً. ولكن بدون إطالة هناك شبه إجماع على أن نقطة البداية كانت مع اعترافات جان جاك روسو ( 1712 – 1778 ). ومع ذلك هناك من يعود بهذا التاريخ إلى نشوء الكتابة نفسها، وهناك من يدخل كل شيء في باب السيرة الذاتية. وهناك من اقترح ضوابط صارمة جداً لهذا الفن الكتابي مثل " فليب لوجون ".

وعلى أي حال، يبدو هذا الفن في بعض الأقاليم العربية قد وجد مرتعاً هانئاً نسبياً، ازدهر فيه وتعدد وتنوع ثمره وأكله، وفي بعض الأقاليم لا يزال يمشي الهوينا، ويتعكز، وفي رأيي المتواضع الموضوع من حيث السبب والنتيجة راجع بالضرورة للطبيعة المحافظة كما هو الحال في منطقة الخليج. فهذا الفن أولاً وأخيراً هو فن حرية، واعتراف، وإفصاح، وكشف، وإبانة.. يزدهر في بيئات بالإضافة إلى طبيعتها الديناميكية، وحركية مجتمعاتها، وعظم مصائبها، عند كُتّاب يملكون فضيلة ( خطيئة ) الاعتراف عن سابق عزم وإصرار، ويقبضون على ناصية اللغة، ويملكون وعياً كافياً أو هائلاً بفن إدارة العملية من حيث طرائق سرد السيرة.
وما سأعرضه هاهنا أقرب ما يكون للقراءة العاشقة أكثر منه قراءة نقدية. فللنقد أهله، وللعشاق قلوبهم وعقولهم. وأظن شيماء الوطني المولعة بالسير والمذكرات تنحو هذا النحو. علاقتي الشخصية بالسيرة الذاتية – فقط للتفريق بين هذا الفن الغربي الأصول والمنشأ وما جاء في التراث العربي تحت بند السيرة – علاقة كلاسيكية بدأت بــ " أيام " طه حسين، وتبعتها " بقايا صور " حنا مينا، ثم بعد ذلك مررت على طائفة واسعة من السير الذاتية والمذكرات وما يندرج تحت هذا الباب.
وفي مجمل قراءاتي أظن أن سيرة طه حسين ( 1889 - 1973 ) على قدمها هي الأكثر قرباً من قلبي على الرغم من صدور الجزء الأول منها في نهاية عشرينات القرن الماضي، إلا أنها بالفعل، واحدة من السير اللافتة، وخصوصاً الجزء الأول منها. ما أعشقه هو عوالم الطفولة، وهي التي ستكون بالنسبة لي مفتاح لذة واستمتاع بجميع السير التي تمر على مرحلة الطفولة انطلاقاً من بقايا صور، وما تلاها.
وعند طه حسين ما أسميه " حشمة لغوية " في السرد والوصف، لكنك في النهاية تقف على لغة متينة يعز أن تجد نظيراً لها، لغة عربية مكينة .. قوية .. هادرة. والحال نفسه بالنسبة لبقايا صور التي – ربما – كانت البداية الحقيقية للخروج من الحشمة المفتعلة التي تلف الشخصية البطلة. وتبتعد في الوقت نفسه ولو بمقدار محدود عن الخطابات ولنسمها بالرزينة جداً التي تسبغ هالات من القدسية المفرطة على حياة الشخص / البطل. وهي التي سيحطمها محمد شكري بخبزه الحافي تحطيماً، ثم سيفعل عبدالقادر الجنابي في السيرة التي تحمل عنوان " تربية " إلى جوار اسم الشاعر ما لم يفعله شكري حين يتحدث عن شذوذه.
وبالنسبة للطفولة، مررت على سيرة " البئر الأولى " لجبرا إبراهيم جبرا ولم تجد مكاناً في قلبي. لكنني انبهرت بسيرة سليم بركات ( 1951 - ) " الجندب الحديدي" وبعنوانها الفرعي " السيرة الناقصة لطفل لم ير إلا أرضاً هاربة فصاح: هذه فخاخي أيها القطا ". فلأول مرة في حياتي أقرأ سيرة ذاتية هي في الواقع قصيدة عملاقة. سليم بركات هذا مشعوذ الكلمات، يغسل روحك بفيض كلماته وصوره المشعشعة. يكتب بطريقة لا يجاريه فيها أي أحد، يغربل كلمات العربية ويأتيك من حيث لا تعلم بشيء جديد، فلم سينمائي متتابع اللقطات، ولكن مكوناته الكلمات لا اللقطات. هذا الروائي العظيم والشاعر المتميز أضع سيرة طفولته ضمن مفضلاتي، وفي الجزء الذي أشرت إليه تحديداً، ولا ألحق به الجزء الآخر " هاته عالياً، هات النفير على آخره ".

وحتى لا أطيل أكثر من هذا سأضع الجزء الأول من الأيام ( 1929 ) مع الجندب الحديدي
( 1980 ) على رأس هرم السير الذاتية العربية التي تناولت المراحل الأولى من عمر الإنسان.. وذلك من منطلق قناعة شخصية هي أننا أولاً وأخيراً نتعامل مع اللغة. والخبز الحافي على الجرأة التي جاءت بها، والجدل الذي لم ينقطع يوماً عنها وحولها وبخصوصها كان صقل الكاتب للغة لا يقارن بلغة طه حسين الموغلة في المتانة، ولا بركات الذي عاث في اللغة إبداعاً. أما بقايا صور فهي على أهميتها في سياقها التاريخي، وكونها تمثل بداية الاعتراف الحقيقي خصوصاً على مستوى قسوة الأب، وحال التشرد والضياع والصعلكة.. إلا أن إنشدادي لهاتين السيرتين أكبر. هذا مع إعجابي بما كتبه إدوارد الخراط في عمله" ترابها زعفران" التي تحدث فيها عن علاقته بالمدرسة والكتب والأقلام أو لنقل ممهدات ظهور روائي ومترجم، وبواكير الوعي بالأشياء. لكنه إعجاب في حدود أقل بكثير عن الأيام والجندب. وبالنسبة لي كان عمل محمد عابد الجابري " حفريات في الذاكرة من بعيد "، أحد أسوء النماذج التي قرأت في هذا الباب.
وبالنسبة لهذا الموضوع في الثقافات الأخرى التي وجدت طريقها إلى العربية فمعلوماتي، وقراءاتي محدودة للغاية، لكنني أود أن أسجل إعجابي بعمل ضخم للروائي الفرنسي مارسيل بانيول ( 1895- 1974) " ذكريات طفولة " بأجزائها الأربعة: مجد أبي، قصر أمي، زمن الأسرار، زمن الحب. هذه الرباعية، ولعل هذه المزية مفتقدة في الإبداع العربي، بالإمكان قراءة الأجزاء جميعاً بدون إحساس بتفاوت مستوى كل جزء عن الآخر. بانيول حين شرع في كتابة هذا العمل الكبير كان قد بلغ مرحلة الشيخوخة، وتقمص دور الجد، فراح يروي لأحفاد متخيلين أو متوقعين حكايات طفولته في زمن يختلف عن الزمن الذي هم فيه. فخبز شكري أخف وطأة من الشطار، وبقايا صور أشد متانة من الأجزاء المتبقية من هذه السيرة، والجزء الأول من الأيام أفضل من الجزئين الآخرين.. وقد أشرت للأمر نفسه بالنسبة لبركات.
( ولفن التلصص تتمات )
__________________________
* السير المشار إليها:
1- الأيام لطه حسين.
2 - بقايا صور لحنا مينا.
3 - الخبز الحافي لمحمد شكري.
4- تربية عبدالقادر الجنابي لعبدالقادر الجنابي.
5- البئر الأولى لجبرا إبراهيم جبرا.
6 - الجندب الحديدي لسليم بركات.
7- ترابها زعفران لإدوارد الخراط.
8 - حفريات في الذاكرة من بعيد لمحمد عابد الجابري.
9- ذكريات طفولة لمارسيل بانيول.
***** المفضلات لزمن الطفولة:
1- الأيام.
2- الجندب الحديدي.
3 - ذكريات طفولة.
__________________________
* أرجو من الأشقاء والشقيقات أصحاب الاهتمام بهذا الموضوع ذكر سيرهم الذاتية المفضلة التي تتناول جزئية الطفولة والسنوات الأولى لمزيد من الإثراء.


معرفتي بالأدب الفارسي تكاد تكون كلاسيكية جداً. فقد اطلعت في مراحل سابقة على بعض الآثار المهمة، مثل رباعيات عمر الخيام، ولا ننسى أن شاعر البحرين المرحوم إبراهيم العريض تصدى لترجمة هذه الرباعيات أكثر من مرة. فعمر الخيام، ومعه فريد الدين العطار النيسابوري مؤلف "منطق الطير" الذي ألهم العديد من الأدباء والكتاب والمسرحيين، ومنهم الكاتب البحريني عبدالقادر عقيل والمخرج المسرحي الإنجليزي العالمي بيتر بروك.
ويضاف إلى ذلك نظامي الكنجوي واضع "خسرو وشيرين" إحدى أشهر قصص الحب. ومعهم سعدي صاحب المواعظ الشهيرة المعروفة. وبلا شك فإن مثنوي جلال الدين الرومي يقف على قمة هرم الإبداع الفارسي، وبالتأكد الفردوسي صاحب الشهنامة.. وقد أشارت الجارة العزيزة الشيماء قبل فترة وجيزة إلى أحد هذه الآثار الكلاسيكية المهمة وأعني قصص الأمير مرزبان.
لكن هذه جميعها من الكلاسيكيات، أما الأدب الفارسي أو الإيراني الحديث فمعلوماتي عنه ضئيلة ومحدودة إلى أبعد الحدود. فقد كرس المرحوم إبراهيم الدسوقي شتا وهو أحد المترجمين الأساسيين إن لم يكن المترجم العمدة جهده الترجمي لنقل الآثار الكلاسيكية، ومنها مثنوي جلال الدين الرومي الضخم إلى العربية، وقد كان لي شرف الاستماع لهذا العالم الفذ على شاشة الفضائية المصرية في برنامج كان يعده الشاعر فاروق شوشة قبل رحيله بأيام.
أما الأدب الحديث فمن حسن الحظ أنه سبق أن قام الصحفي البحريني إبراهيم بشمي الذي يرأس الآن تحرير صحيفة الوقت كتاب " حكايات صمد بهرنكي " وهي قصص حديثة موجهة للأطفال. وعلى المستوى العربي كانت في الواقع هناك جهتان أساسيتان اهتمتا بالأدب الفارسي، الجهة الأولى هي المشروع القومي للترجمة بمصر، وسلسلة إبداعات عالمية التي تصدر عن المجلس الوطني للثقافة والفنون بالكويت.
ففي مصر تم الاهتمام بالكلاسيكيات، وفي الكويت تم تقديم بعض الأعمال الحديثة مثل رواية " نون والقلم " لجلال آل أحمد، ومسرحية جوهر مراد " منزل النور "، ومجموعة قصصية لسبع كاتبات إيرانيات، ودراسة في حياة وأشعار فروغ الزمان فرخزاد للأمريكي مايكل هلمان، وعلى أجندة المجلس للفترة القادمة ترجمة بعض الإصدارات في الأدب الفارسي ومن ضمنها ديواناً لفروغ، ومختارات من الشعر الإيراني الحديث، ومن حسن الحظ أن الذي سيقوم أو قام بالفعل بمراجعة الترجمة هو الأديب البحريني عبدالقادر عقيل. ومن أشهر الأعمال الإيرانية المعاصرة التي نقلت للعربية رواية " البومة العمياء " لصادق هدايت، وقد صدرت في ألمانيا.
كتاب فروغ فرخزاد أو فرخ زاده أو فروخزاد كما اقترح الأديب البحريني أمين صالح ، أحد الكتب المهمة التي تسلط الأضواء لا على شخصية الشاعرة وإبداعها ولكن على طبيعة المجتمع الإيراني في فترة الحكم البهلوي الذي بدأ في 1922 وانتهى بانتصار الثورة الإسلامية في 1979 .
وتأتي أهمية هذا الكتاب أن فروغ من أشهر الشاعرات والأديبات الإيرانيات على الإطلاق، وفي الكتاب عندما يحل يوم وفاتها يصبح قبرها الموجود في طهران مزاراً يقصده الزوار يترحمون عليها، ويقرأون شيئاً من أشعارها، ووفاتها في مثل هذا الشهر من عام 1967، حيث قضت نحبها في حادث سير وهي في سن 32 سنة فقط.
ويقوم الكتاب في فصوله الثلاثة الأولى على منهجية طريفة فهو يمزج بين فروغ الإنسانة والشاعرة في وقت واحد والزمن الذي عاشته بتقاليده المحافظه التي تسبب في نبذها وحرمانها من حضانة ابنها. الكتاب في الإجمال ليس كتلك الكتب العربية المحافظة في سرد سيرة الشخص. وهو كتاب يستحق الاطلاع.. حيث يكشف عن موقف الإنسانة والشاعرة من قضايا المرأة والظلم البهلوي والجرأة الجنسية في شعرها، بالإضافة إلى تأريخ لشعرها ومراحل تطوره وأبرز المظاهر الفنية فيه، وغير ذلك.
** وهذه مقتطفات من بعض قصائدها التي تحكي التمرد والانطلاق ورفض الهيمنة بأنواعها:
الآن أدرك أن ذلك البيت البعيد
خلا من سعادة الحياة
أعرف الآن أن ثمة طفلاً باكياً
يندب فراق أمه وكأنه في مأتم
إلا أني، جريحة الروح ومشوشة
أسلك طريق الأمل
حبيبي هو الشعر، معشوقي هو الشعر
ماضية أنا في البحث عن حبيبي.
***
مدينتي ومدينتك، يا طفلي الطيب
هي منذ وقت بعيد عش للشيطان
سيأتي يوم ترتجف فيه عيناك
حزناً على هذه الترنيمة الحافلة بالألم
سوف تفتش عني في كلماتي
وتقول لنفسك:
هكذا هي أمي.
***
إن صدركن الدافئ هو من ربى
هذا الرجل المتمظهر المملوء من نفسه وقوته،
وبسمتكن الفرحة هي التي منحت
قلبه الدفء والحيوية
أن يكون ذلك الشخص، الذي هو صنيعكن
مفضلاً ومتفوقاً عليكن لأمر مهين
أيتها المرأة، تحركي، لأن هناك عالماً
ينتظرك ويدعوك.
***
انزع من عيني اللامعتين
شوقي للهرب إلى شخص آخر،
.. وعلم عيني
أن تحتجب عن عيون الآخرين البراقة
آه، يا إلهي، بيد قدرتك
تجل لي وانزع من قلبي
الشوق إلى الإثم والأنانية.
لا تسمح بأن يعصيك عبد تافه
وبأن يولي وجهه شطر الآخرين...
اسمع صراخي المثقل بحاجتي إليك
أيها الإله القادر الذي لا شريك له.
***
طوال اليوم، طوال اليوم
مهجورة، مهجورة، كجيفة على سطح الماء
أطفو نحو الصخرة الأشد رعباً
نحو مغاور البحر الأكثر عمقاً
.................................
صوت وقع قدمي يرتفع
فقد أنكرتني الطريق
وغدا يأسي أرحب
من قدرة روحي على الصبر
وذلك الربيع
ذلك الوهم الأخضر
الذي عبر بقرب النافذة
قال لقلبي:
انظر
إنك لم تتقدم أبداً
بل انحدرت بعيداً.
***
أنا محبطة
آه كم أنا محبطة.
أتوجه نحو الشرفة وأمد أصابعي
فوق جلد الليل المشدود.
والمصابيح المربوطة مظلمة، آه كم هي مظلمة.
لن يعرفني أحد إلى نور الشمس
أو يرافقني إلى اجتماع عصافير الدوري.
احفظ الطيران
فالعصفور فان.
إلى ابتهال سلمان
لمؤازرتها ودعمها الجميل
من المفارقات اللطيفة أن تظل الرواية البحرينية أبعد ما تكون عن مجتمعها، بما يحمله من عادات ومعتقدات وأساطير وخرافات.. وأصل المفارقة أن بعض الكُتّاب تبنوا أيديولوجيات وشعارات انحازت إلى الفقراء والمهمشين والمستضعفين، وإلى الأحياء الخلفية البائسة.. وقد تسبب ذلك في قضائهم سنوات وسنوات في الزنازين. لكن هذه الحمولة الأيديولوجية لم تكن وحدها كافية لتجسيد شيء عن ثقافة هذا البلد بالمعنى الواسع لكلمة ثقافة. صحيح أن تعنت الرقابة، وحزمة القوانين الجائرة والمتخلفة كانت وما تزال تحول دون إتاحة المجال للنشر .. لكن ذلك لا علاقة له بالقدرة على الإبداع في اختراق هذه الحواجز، وتقديم صورة معينة لهذا المجتمع بعموميته، أو من خلال مناطق محددة فيه.
ولكن منذ فترة قريبة جداً بدأت بعض المحاولات في الالتفات إلى المحلي، ومحاولة تصويره وتقديم شيء عن بناه وعن ثقافته، ومن أبرز تلك المحاولات في الاقتراب من المجتمع وتقديمه ومحاولة تصويره ما قام ويقوم به الكاتب البحريني فريد رمضان، الذي أصدر مجموعة من الكتب تناولت مجتمع المحرق والبسيتين، واخر ما عالجه هو رواية دارت أحداثها في منطقة النعيم. وقد فعل الشيء نفسه لدى كتابته سيناريو فيلم " حكاية بحرينية " بتناوله فترة الستينات حتى وقوع النكسة. . حيث صور المجتمع لحظة التأجج القومي بتناقضاته، وحين حانت ساعة سقوط الحلم بالهزيمة النكراء.. مع تفاصيل صغيرة تطرقت إلى المشكل الثوري والمأزق الطائفي.
وبالطبع من أراد أن يتعرف على شيء من الموروث الشيعي البحريني عليه برواية " السوافح.. ماء النعيم " التي تختلط فيها الآلام بالأحزان المتأصلة بالأمراض بالتقاليد بالأساطير بالخزعبلات.. لقد وفق الكاتب في تقديم صورة ما عن مجتمع هذه المنطقة، من حيث الحرف، ونبرة الحزن المتواترة، وقهر السلطة، والذكورية الطاغية.. هذا المزيج خلطه الكاتب ببعض الأحداث السياسية التي واكبت صعود هيئة الاتحاد الوطني، وصولاً إلى نفي زعمائها إلى سانت هيلانة، وعاود مجدداً وخلط الوصفات السابقة بنصوص عديدة من الموروث الشيعي، مصوراً بعض الطقوس تصويراً بديعاً.
ومن هذه الرواية..
" أهم بمساعدة النساء في إعداد الشاي وعصير الزعفران، أو بتكسر الثلج، أو تنظيف الأرز وإعداده للطبخ للأيام القادمة. نجهز كل شيء ولا ننسى في هذا الجو العام أن نضع أحزاننا على أبواب قلوبنا، ونهيئ دموعنا لتتفجر مع أول مرد حزين يبدأ بسرد حادثة الطف، ومسيرة حبيبنا الحسين من ديار مكة إلى الكوفة؛ نتوجع للدم الطاهر الذي انتهك في هذا الشهر المحرم، وتتحول رائحة حي النعيم لنكهة وطعم مختلفين، حيث يختلط هواؤه برائحة عطب الفحم، مع ماء الورد، ورائحة التبغ الإيراني برائحة الطناجر الملتهبة برز الحسين ".
_____________________
** ملاحظة: اهمية هذه الرواية تتمثل فيما أشرت إليه لا أكثر ولا أقل.










