تتعالق – ألعن أبو المقدمة - في ذاكرة المرء بعد سني سجن المدارس العديد من الذكريات الهشة البشة الخنفسانة، وتلك الأليمة. وتنطبع – ردينا على طير يللي - الأخيرة بشكل أكبر في سويداء حشاشة جوانية الوعي واللاوعي. وتجوس – خخخخخ - في زرانيق الذاكرة أطياف بعض الطلاب والمواقف، فنستحضرهم باستمرار، كلما نسنس من الغربي هبوب.

إلا أن مشهد اليوم الأخير الذي تليه الإجازة الصيفية الفارهة، كان مشهداً يستحق التسجيل، لعظم ما كان يدور فيه من مناكر وفواحش ما ظهر منها وما ظهر وكرش ورقبة. لا أعرف .. فلم أر قط أو خروف أحد الطلاب يسجد لله شكراً على نعمة امتداد العمر به ليصل لهذا اليوم الذي يتحلل فيه من مضاعد السجانين ويطلق العنان لفكره وخياله وأقدامه الركض كيفما اتفق.
وإنما كان أكثر المشاهد ألفة هو حفل تنتيف الكتب والدفاتر وتشقيقها. فيتحول الدفتر والكتاب معاً إلى راجمة صواريخ ورقية، أو تلقى في المراحيض لسد مناسم المجاري، أو في أقرب سلة مهملات أو تترك في حال سبيلها تذروها الريح.. إلى أن تخضر وتصفر، وتينع بحشرات ناهشة للقراطيس من عث وبق.
ولم يدر بخلد أي أحد أن هذا الكتاب أو ذاك الدفتر سيكون أحد الأشياء التي سيعتز بها الطالب سابقاً – مو أولاً - بعد أن تكر سبحة السنين حجارتها. وعلى المستوى الشخصي أتمنى اليوم لو احتفظت بأحد تلك الكتب أو الدفاتر الحمراء التي تحمل اسم أوال، بجلادتها البنية أو الخضراء التي تشبه قشرة الجح، وبالليبل الباذخ الذي يساوي حجماً لزقة جونسون مالت الظهر، أو أحد الدفاتر بو 100 أو 200 بقطاعتها السوداء السميكة، اللي إتحس إنها مصنوعة من ظهر قبقب. هذه الأشياء مع الأسف الشديد راحت.
لكن هذا هو أبسط الطقوس من مشهد آخر يوم من أيام الدراسة، وكان أحد المشاهد المألوفة في مدرستي الغير عزيزة أن يتجمهر نفر من الطلاب، وكل منهم يمسك بحصاة بحجم قبضة اليد، ويطرشها لأقرب جامة، فيتهاوى الزجاج وتتناثر شظاياه، ويستمر هذا الطقس بلا كلل إلى أن يباغت القوم المشرف فيفر الجميع كما تفر الطرائد من قسورة، ومن يقع في أيدي العدالة المشرفية بعد أول لبة بالهوز يقوم بالاعتراف على المشاركين في حفل التهشيم الجماعي فرداً فرداً، وبعد اللبة الثانية يأتي على ذكر من يعرفهم بالاسم، حتى وإن لم يشاركوا. والعقاب بالإضافة للترفس والتبكس دفع غرامة، هي دينار فقط لاغير عن كل جامة.

لاعبو الأكروبات والوثب يتفنون في إتلاف الأثاث – والله والأثاث – كل بحسب نزعات الشر فيه وساديته ومازوخيته، البعض يُحّول البانكة إلى وردة جميلة بعدد قليل من القفزات. وآخرون يعملون قوتهم في إتلاف الميزات الكريهة مال لول إما بالرفس أو بكتابة العبارات الفاحشة أو بالإتلاف الجزئي كنزع الطبقة الخشبية العليا بحيث يصير الميز في حكم المعدوم، والذي هو أصلاً ملوث في المناطق غير المنظورة بكتل العلوج وهضاب النقاف. وأخرون لا يدخرون نخامة إلا ويسبحون بها السبورة، وهناك من يحفز مثانته لترطيب أجواء الصفوف بمياه الصرف غير الصحي.
ليس هذا فحسب، إنما أتذكر جيداً أن أحد العظماء، كان يمسك بفحمة في إحدى يديه، وعند باب المدرسة كتب بأكبر خط ممكن سواد وجهه " عير في المدير "، وهناك من يصطحب معه مسمار طوف ويقوم بتمريره على أجساد سيارات المدرسين المساكين الذين سيودعون عامهم الدراسي بحسرة ومرارة.. أو يتركون هذه المسامير قاب قوسين من تواير سيارتهم.. ولم تكن موضة التيوب لس موجودة في تلك السنين فمع أول تبديل للقير تسمع الفرقعة واضحة أو صوت تسسسسسسسسسسسسسسس.. وهذا غيض من فيض.
_________________
** صور الاحتفالات المدرسية أعلاه استلمتها قبل أيام بالإيميل، وهي تقول ما أشبه اليوم بالبارحة.. لم يتغير شيء .. الأخلاق الوضعية هي نفسها.
من البحرين