إلى التوجيهي كان مفهوم التعهد غامضاً بالنسبة لي. فقد كانت لكلمة التعهد رنيناً يخترق جهازي السمعي كل يوم تقريباً، ومع ذلك لم أك أفقه معناه، ولا تبعاته، وما الذي يعنيه بالضبط هذا الاختراع الموسوم بالتعهد؟ وهذه من سمات البلادة التي أعاني منها منذ القديم وإلى اليوم الذي يقبض الله روحي فيه.
نعم الكسيف بليد، لا يهوى المغامرة، ولا الاطلاع، ولا البحث عن أي شيء حتى لو كان مهماً. وهو كان ولا يزال عرضة للوقوع في فخ بلادته وهبله، حتى لو كان الفخ من صنيع أقل كائنات الله ذكاءً، أو أن الشرك الذي يهوى دائماً بين خيوطه من نسج معتوه يجهل ألفباء أكثر الأمور سطيحة.
التعهد.. كلمة غامضة بالنسبة لي. وقبل أن أُوّقع أول تعهد وآخره في مراحل الدراسة صاغراً، مطأطأ الرأس، ذائب الوجه، مهروس المقل، مفجوع الخاطر من الفشيلة، كنت أظن نفسي أنني لست أصلاً بحاجة للتعرف على التعهد هذا. ولماذا أحصل على التعهد وأنا الملتزم، الشاطر – نص نص - الخلوق، المواظب.. ألخ ؟
وبناء عليه، كان التعهد بالنسبة لي يساوي الكبائر كفكرة عامة بدون تفاصيل. وإذا كنت لا أقترف أقل الذنوب، فلماذا أحاول كسر بلادتي وخمولي بالتعرف على العقوبات المستحقة على مرتكب إحدى الكبائر في فضاء المدرسة ؟ المهم فعلاً، وبلا مبالغات لم أكن أعرف معنى التعهد بتفصيل، كما أنني لم أتوقع أبداً أن توضع في ملفي المدرسي ورقة بيضاء من غير سوء، تساوي ربع ورقة A4 حجماً، وعليها توقيعي الكريم في يوم من الأيام.
وسيناريو هذا التعهد التاريخي، الذي يساوي من حيث الحجم المخالفة المرورية هذه الأيام، بسيط جداً، وينم عن البلادة. فقد اتسم البوفيه المدرسي في الفرصة بأطباقه التي تمثل مختلف ثقافات العالم، سندويشات فلافل مصنوعة من كنكري، قضمة واحدة من أحدها كفيل بخلخلة أعتى الضروس تجذراً في اللثة. همبرغر مقلي بزيت شل سوبر بلس، جبن مستخلص من ضرع بقرة مصابة بخبيث الأربعاء، جبود من غنمة هرمة تعود ولادتها إلى فترة إرم ذات العماد، وهكذا.
وقد قامت إدارة المدرسة في خطوة سباقة، وقبل فترة عن أحاديث الخصخصة والخوصصة والتخصيص والإخصاء الذائعة في السنوات الأخيرة، بالاستماع إلى التبرم، بعد إجرائها دراسة رأي عام، لهذا البوفيه الذي يخلو من السويت. وقد عالجت الأمر بوضع المقصف تحت إمرة فريق من الشباب البحريني، يتولون الطبخ، والبيع، والكد.
والشهادة لله، كان هذا القرار الثوري نعمة ونقمة في الوقت نفسه. هل كيف ؟ النعمة أن طبخ هذه المجموعة، وجودة سندويشاتهم تعادل نتائج الثورة الفرنسية من الناحية الإيجابية. سندويشات لذيذة، مبهرة، ومنوعة، حيث تعدد الخيارات. والنقمة إزاء هذا التفنن في التتبيل والتبهير والتنويع، أن الأسعار ارتفعت في السندويش الواحد بين 50 و 100 فلس. وهذا يعد كالصاعقة على الطلاب الذين يمتلكون معدة جازورة، ولا يكفيهم هرم منقرع من هذه السندويشات حتى يسدوا رمقهم إلى ساعة دق لعيوش ، والمنتفين الذين يستطيعون شراء سندويش واحد لا غير أو لا يستطيعون خير شر.
المهم، كما أسلفت في مرات سابقة يعني كان وضع السيولة مو ذاك الزود. وأخوكم الكسيف، أعلن من طرف واحد في يوم مشئوم أنه مع فكرة البؤرة الثورية التي جاء بها الشقيق الأرجنتيني الطبيب أرنستو. وتفصيل ذلك، كان في المخبا ربيتين، وبحرين بحرين .. أبوك لابس هافين .. في مخباته ربيتين .. طرن طرن طرن أوبسسسسسسسسسسسسس.. مسامحة تداخلت الخطوط .. وهذا المبلغ في التوجيهي كان زهيداً، وقد قررت بعد اجتماع سريع مع بعض المنتفين الآخرين، أن يشقح أحدنا سور المدرسة العظيم، ويذهب إلى مطعم سمبوسة ليس ببعيد كثيراً، ويأتينا بما لذ وطاب من سمبوسة بجناحيها السياسي والعسكري أي الخضرة والجبن.. وجباتي بلونيه الأحمر والأبيض، وآلو جاب. وفي هذا الصنيع ضمانة دستورية للشبع بأقل القليل من المال، وتحاشي الحركات القرعة في طابور المقصف.


وبعد جلسة سريعة، وقع فأس الاقتراح في رأس الكسيف، وأصبحت الربابي تتهاطل عليّ، فضلاً عن مهمة التسلل وتجاوز حقول الألغام وعيون البصاصة ولمشاقح. وما حصل يا إخوان أنني صرت أحمل ثروة في جيبي تقدر بنحو دينارين ونص، تخيلوا شدة الإقبال على البؤرة. وقبل أن ينمو الكرش، وتتفلطح الدبة، وتتبحلس درجة النظر، وتنبعج العضلات، ويصبح الإنسان خرطي برطي، كانت الرشاقة والخفة من مميزات الكسيف، فضلاً عن اللياقة البدنية المتميزة.. وفعلاً قمت بالتسلل للهروب من نير الخصخصة، وشقح السور إلى جنة السمبوسة.. ومع الهرولة لعمل الأوردر الضخم، لم يستغرق الأمر طويلاً.
عدت أدراجي، وفي يدي الأكياس الضخمة، وضعتها أعلى السور أولاً، ثم قفزت القفزة المحترفة كأي بطل عالمي في القفز بالزانة، وأنا أرى زملائي، وكأنهم صغار العصافير، وهم زغب الحواصل، ينتظرون أمهم كي تطعمهم، وكل واحد منهم فاغر فاه. اكتملت القفزة إلى الداخل، ثم قمت بإنزال الأكياس المنتفخة، والجميع في ترقب وانتظار. أنزلت الأكياس. ومع ثالث خطوة لمحت من بعيد المشرف وهو يؤشر لي بسبابته أن آتي.
حاولت التخلص من آثار الجريمة، لكن الأكياس من عظم الموقف أصبحت وكأنها جزءاً أصيلاً من تكويني الجسماني، أو أنها قد تم لصقها بسوبر غلو، ويستحيل التخلص منها. الأكياس في يدي، وأنا أمشي بخطوات مرتجفة، سيارة مكينتها ضاربة ويبيلها أفرهول، أو مثل تيس خرج للتو مهزوماً من معركة مناطحة مع تيس آخر على غنمة بنت الجيران.
لم ينبس هذا المشرف بصبي أو ببنت شفة، إنما اكتفى بإيماءة زاهدة لأن أتبعه. فعلت وأنا أمشي الهوينا من خلفه، كمشية العرنجل، وكأنني كبش أو كديش في طريقه إلى المقصب، وهو يعرف أن عنقه سيحز بسكين حاد، لكنه لا يملك الفرار، ولا حتى التخلص من الأحمال الثقيلة التي تضم حوالي 60 سمبوسة، و60 آلو، و30 جباتي. إنها أحمال ناءت بكلكل. وصلنا إلى المقصب. وبدون كلام أيضاً أشرعلى بقعة معينة بأحقر أصابعه.. وكانت الإشارة أمراً بالوقوف، ثم صادر الممنوعات. وكان وقوفي إلى جوار مجموعة من الطلاب اللوفر.
طال الوقوف، وهنا بدأ إبليس يُسوّد الدنيا في وجهي، ويرسم لي عقوبات لا تقل عن الإعدام رمياً بالنعل أو تطليع الروح بالزنط والخنق. ولم أكترث لأي عقوبة من الوسواس الخناس، إنما كانت خشيتي مزدوجة. كيف سأواجه الجماهير الغاضبة التي وثقت فيّ، وسلمتني معظم مكدتها. ثم ماذا أنا فاعل لو طلبوا استدعاء ولي أمري؟ ولله الفضل والمنة، لم أجابه بأي تخوين أو تسقيط أو اتهام بالعمالة، كما أنني وبسبب سجلي النظيف لم أتعرض لأفسح العقوبات، وهي الاستدعاء المهين للوالد العزيز.
ومع ذلك، رأيت حركة نشطة في غرفة المشرف، الذي مذ صادر البضاعة الساخنة العبقة الطرية لم يتوقف عن العبث بقرص الهاتف – كح كح كح - وأنا أتصبب خجلاً، ورعباً. وقبل انفضاض سامر الوقوف على ذمة السمبوسة، رأيت حشداً كبيراً من المدرسين يتوجهون زرافات ووحدانا إلى غرفة المشرف إياه، حيث أقف مكتوف الحظ. وأتذكر أحدهم وكان بدبة منفوخة، ويمشي في السكة بروحه، دب دبدوب الطبشي يتمشى مثل الفشي - تداخلت الخطوط للمرة الثانية -. جاء شاخطاً، والكيج مكيم على 200، جنة أم سليمان، وقد شمر عن ذراعه، وكأنه سيغوص في غنجة عيش مسدوحة عليها ذبيحة، ولا مندوحة من الهمة.
لقد قام المشرف بتوجيه دعوة للمدرسين كي يلتهموا سمبوسة الشعب المغلوب على روبياته.. وقد فعلوا سود الله وجوههم اللي يحبون السحت والأكل ببلاش. وما أن سمعت عبارات متتالية كطلقات المطاط من قبيل: الله يغنيك، وأنعم الله عليك، ومتشكرين، وكثر الله خيرك... ألخ حتى أيقنت أن الحركات المشبوهة متعددة الجنسيات والثقافات جاءت لتنقض على السمبوسة، وتبيدها بالجباتي وبالآلو عن بكرة أبيها، لقد شكروا الطمطم المارق، وكأن ما زحروه من جيس أبوه الخايس.
كان هذا الجزء السيكولوجي من العقاب، وجاء الجزء الثاني في ورقة بيضاء طلب فيها مني عدم تكرار فعلتي الكسيفة وهي بالنص " التسلق على جدار المدرسة لشراء السمبوسة ". وأقسم بالله كان هذا نص التعهد. ولو تكررت هذه الفعلة اليوم لنكلت به لكذبه وبهتانه.. لأنني اشتريت أيضاً الجباتي والآلو، كما أنه لم يحدد أنواع السمبوسة. ثم طلب مني الذهاب إلى الصف بعد انقضاء دقائق معدودات من الحصة الرابعة التي تلي الفرصة، ومن كثر ما خارت قواي وانهكت نفسياً حتى صار لي خوار كجاموسة حرث في حقل بنغالي.. وريقي ناشف، ولحظتها ولا عشرين كباية مية في قلاص – الله يمسيج بالخير يا نبوية شبشب - تذهب عني ظمأ الترقب والانتظار، وتلمظ الخمة ومصمصة شفاههم بعد بلعهم سمبوستي الغالية.
وتلك كانت حكاية التعهد الوحيد الذي حصلت عليه طوال 12 خريفاً.










said:










من البحرين